الشيخ أحمد فريد المزيدي
138
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
اللّه والحمد للّه « 1 » . الجمع والفرق « 2 » قال الجنيد رحمه اللّه تعالى :
--> ( 1 ) انظر : الحلية ( 10 / 270 ) . ( 2 ) قال ابن القيم الجوزية : فمن زعم أن المشاهد لتوحيد الربوبية يدخل إلى مقام الجمع والفناء فلا يشهد فرقا فإنه غالط ، بل لا بدّ من الفرق ؛ فإنه أمر ضروريّ ، لكن إذا خرج عن الفرق الشرعي بقي في الفرق الطبعي ، فيبقى متبعا لهواه لا مطيعا لمولاه ، ولهذا لما وقعت هذه المسألة بين الجنيد وأصحابه ذكر لهم الفرق الثاني ، وهو أن يفرّق بين المأمور والمحظور ، وبين ما يحبّه اللّه وما يكرهه مع شهوده للقدر الجامع ، فيشهد الفرق في القدر الجامع ، ومن لم يفرّق بين المأمور والمحظور خرج عن دين الإسلام ، وهؤلاء الذين يتكلّمون في الجمع لا يخرجون عن الفرق الشرعي بالكلية ، وإن خرجوا عنه كانوا كفّارا من شرّ الكفّار ، وهم الذين يخرجون إلى التسوية بين الرسل وغيرهم ، ثم يخرجون إلى القول بوحدة الوجود ، فلا يفرّقون بين الخالق والمخلوق ، ولكن ليس كل هؤلاء ينتهون إلى هذا . فقول موسى عليه السلام : رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [ القصص : 24 ] ، فإن هذا وصف لحاله بأنه فقير إلى ما أنزل اللّه إليه من الخير ، وهو متضمن لسؤال اللّه إنزال الخير إليه . وانظر : دقائق التفسير ( 2 / 361 ) . وقال في « مدارج السالكين » أيضا : والفناء والخروج عنه إلى أودية الفرق الثاني والبقاء فالشأن كل الشأن فيه ، وهو الذي كان ينادي عليه شيخ الطائفة على الإطلاق الجنيد بن محمد رحمه اللّه ، ووقع بينه وبين أصحاب هذا الجمع والفناء ما وقع لأجله ، فهجرهم وحذر منهم ، وقال : عليكم بالفرق الثاني ؛ فإن الفرق فرقان : الفرق الأول : وهو النفسي الطبيعي المذموم ، وليس الشأن في الخروج منه إلى الجمع والفناء في توحيد الربوبية والحقيقة الكونية ، بل الشأن في شهود هذا الجمع واستصحابه في الفرق الثاني : وهو الحقيقة الدينية ، ومن لم يتسع قلبه لذلك فليترك جمعه وفناءه تحت قدمه ولينبذه وراء ظهره مشتغلا بالفرق الثاني ، والكمال أيضا وراء ذلك ، وهو شهود الجمع في الفرق والكثرة في الوحدة ، وتحكيم الحقيقة الدينية على الحقيقة الكونية ، فهذا حال العارفين الكمّل ، يسقي ويشرب لا تلهيه سكرته عن النديم ، ولا يلهو عن الكأس : « إنّي لأسمع بكاء الصبي وأنا في الصلاة فأتجوّز فيها ؛ كراهة أن أشقّ على أمه » وكان صلى اللّه عليه وسلّم في صلاته واشتغاله باللّه وإقباله عليه يشعر بعائشة إذا استفتحت الباب ، فيمشي خطوات يفتح لها ، ثم يرجع إلى مصلاه ، وذكر في صلاته تبرا كان عنده ، فصلى ، ثم قام مسرعا ، فقسّمه وعاد إلى مجلسه ، فلم تشغله جمعته العظمى التي لا يدرك لها من بعده رائحة عن هذه الجزيئات صلوات اللّه وسلامه عليه . وانظر : مدارج السالكين ( 2 / 110 ) .